الشيخ أحمد بن محمد القسطلانى

600

المواهب اللدنية بالمنح المحمدية

له أمير ، وكان تحت راية ذلك الأمير جمع ، فإذا أراد أن يأمر الرعية بأمر مخصوص فإنه لا يوجه خطابه إليهم ، بل يوجهه إلى ذلك الأمير ليكون ذلك أقوى تأثيرا في قلوبهم . الثاني : قال الفراء : علم اللّه تعالى أن رسوله - صلى اللّه عليه وسلم - غير شاك ، ولكن هذا كما يقول الرجل لولده : إن كنت ابني فبرنى ، ولعبده : إن كنت عبدي فأطعنى . الثالث : أن يقال لضيق الصدر شاك ، يقول : إن ضقت ذرعا بما تعاني من تعنتهم وأذاهم فاصبر واسأل الذين يقرءون الكتاب من قبلك كيف صبر الأنبياء على أذى قومهم ، وكيف كان عاقبة أمرهم من النصر ، فالمراد تحقيق ذلك والاستشهاد بما في الكتب المتقدمة ، وأن القرآن مصدق لما فيها ، أو تهييج الرسول - صلى اللّه عليه وسلم - وزيادة تثبيته ، أو يكون على سبيل الفرض والتقدير ، لا إمكان وقوع الشك له ، ولذلك قال - صلى اللّه عليه وسلم - : « لما نزلت هذه الآية : واللّه لا أشك ولا أسأل » . وأما الوجه الثاني - وهو أن المخاطب غيره - صلى اللّه عليه وسلم - فتقريره : أن الناس كانوا في زمانه - صلى اللّه عليه وسلم - فرقا ثلاثة : المصدقون به ، والمكذبون له ، والمتوقفون في أمره الشاكون فيه فخاطبهم اللّه تعالى بهذا الخطاب فقال : فإن كنت في شك أيها الإنسان مما أنزلنا إليك من الهدى على لسان نبينا - صلى اللّه عليه وسلم - فاسأل أهل الكتاب ليدلوك على صحة نبوته ، وهذا مثل قوله تعالى : يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ « 1 » و يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ إِنَّكَ كادِحٌ « 2 » وَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ ضُرٌّ « 3 » فإن المراد « بالإنسان » هنا الجنس ، لا إنسان بعينه ، فكذا هنا ، ولما ذكر اللّه تعالى لهم ما يزيل ذلك الشك حذرهم من أن يلحقوا

--> ( 1 ) سورة الانفطار : 6 . ( 2 ) سورة الانشقاق : 6 . ( 3 ) سورة الزمر : 8 .